صديق الحسيني القنوجي البخاري

393

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 15 إلى 17 ] فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ من عند يعقوب وَأَجْمَعُوا أمرهم أي عزموا لأن أصل معنى الإجماع العزم المصمم أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ قد تقدم تفسيرهما قريبا وجواب لما محذوف لظهوره ودلالة المقام عليه أي فعلوا به ما فعلوا من الأذى وقيل جوابه قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وقيل الجواب المقدر جعلوه فيها وقيل الجواب أوحينا والواو مقحمة ومثله قوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ [ الصافات : 103 ، 104 ] أي ناديناه ، قال ابن عباس : كان يوسف في الجب ثلاثة أيام . وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أي إلى يوسف تبشيرا له وتأنيسا لوحشته مع كونه صغيرا اجتمع على إنزال الضرر به عشرة رجال من إخوته بقلوب غليظة قد نزعت عنها الرحمة ، وسلبت منها الرأفة فإن الطبع البشري دع عنك الدين يتجاوز عن ذنب الصغير ويغتفره لضعفه عن الدفع وعجزه عن أيسر شيء يراد منه ، فكيف بصغير لا ذنب له بل كيف بصغير هو أخ وله ولهم أب مثل يعقوب . فلقد أبعد من قال إنهم كانوا أنبياء في ذلك الوقت ، فما هكذا عمل الأنبياء ولا فعل الصالحين ، وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يوحي اللّه إلى من كان صغيرا ويعطيه النبوة حينئذ كما وقع في عيسى ويحيى بن زكريا وقيل معنى الوحي هنا الإلهام كقوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ القصص : 7 ] والأول أولى ، وقد قيل إنه كان في ذلك الوقت قد بلغ مبلغ الرجال وهو بعيد جدا ، فإن من كان قد بلغ مبلغهم لا يخاف عليه أن يأكله الذئب . لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي لتخبرن إخوتك بِأَمْرِهِمْ هذا الذي فعلوه معك بعد خلوصك مما أرادوه بك من الكيد وأنزلوه عليك من الضرر وَ الحال أن هُمْ لا يَشْعُرُونَ بأنك أخوهم يوسف لاعتقادهم هلاكك بإلقائهم لك في غيابة الجب ولبعد عهدهم بك ولكونك قد صرت عند ذلك في حال غير ما كنت عليه وخلاف ما عهدوه منك وسيأتي ما قاله لهم عند دخولهم عليه بعد أن صار إليه ملك مصر . وقال مجاهد : وهم لا يشعرون بذلك الوحي ، وقال قتادة فهون ذلك الوحي عليه ما صنع به وعن ابن عباس قال : وهم لم يعملوا بوحي اللّه إليه . وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ وهو آخر النهار وقيل في الليل ليكونوا في الظلمة أجرأ على الاعتذار بالكذب أي جاؤوا باكين أو متباكين لأنهم لم يبكوا حقيقة ، بل